فصل: تفسير الآية رقم (121):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (115- 117):

{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)}
{تمت} في هذا الموضع بمعنى استمرت وصحت في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمام من نقص، ومثله ما وقع في كتاب السيرة من قولهم وتم حمزة على إسلامه في الحديث مع أبي جهل، والكلمات ما نزل على عباده، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي كلمة بالإفراد هنا وفي يونس في الموضعين وفي حم المؤمن. وقرأ نافع وابن عامر جميع ذلك كلماتُ بالجمع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا فقط كلمات بالجمع، وذهب الطبري إلى أنه القرآن كما يقال كلمة فلان في قصيدة الشعر والخطبة البليغة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي بعيد معترض، وإنما القصد العبارة عن نفوذ قوله تعالى: {صدقاً} فيما تضمنه من خبر {وعدلاً} فيما تضمنه من حكم، هما مصدران في موضع الحال، قال الطبري نصباً على التمييز وهذا غير صواب، و{لا مبدل لكلماته} معناه في معانيها بأن يبين أحد أن خبره بخلاف ما أخبر به أو يبين أن أمره لا ينفذ، والمثال من هذا أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج} [التوبة: 83] إلى الخالفين، فقال المنافقون بعد ذلك للنبي عليه السلام وللمؤمنين ذرونا نتبعكم فقال الله لنبيه: {يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} [الفتح: 15] أو في قوله: {فقل لن تخرجوا معي أبداً} [التوبة: 83] لأن مضمنه الخبر بأن لا يباح لهم خروج، وأما الألفاظ فقد بدلتها بنو إسرائيل وغيرتها، هذا مذهب جماعة من العلماء، وروي عن ابن عباس أنهم إنما بدلوا بالتأويل والأول أرجح، وفي حرف أبي بن كعب، {لا مبدل لكلمات الله}، وقوله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض} الآية، المعنى فامض يا محمد لما أمرت به وانفذ لرسالتك فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك وذكر {أكثر} لأن أهل الأرض حينئذ كان أكثرهم كافرين ولم يكن المؤمنون إلا قلة، وقال ابن عباس: {الأرض} هنا الدنيا، وحكي أن سبب هذه الآية أن المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في امر الذبائح وقالوا: تأكل ما تقتل وتترك ما قتل الله؟، فنزلت الآية، ووصفهم عز وجل بأنهم يقتدون بظنونهم ويتبعون تخرصهم، والخرص الحزر والظن وقرأ جمهور الناس {يضل} بفتح الياء.
وقرأ الحسن بن أبي الحسن {يُضل} بضم الياء، ورواه أحمد بن أبي شريح عن الكسائي، و{من} في قوله: {من يضل} في موضع نصب بفعل مضمر تقديره يعلم من، وقيل في موضع رفع كأنه قال أي يضل عن سبيله؛ ذكره أبو الفتح وضعفه أبوعلي وقيل في موضع خفض بإضمار باء الجر كأنه قال: بمن يضل عن سبيله، وهذا ضعيف، قال أبو الفتح هذا هو المراد فحذفت باء الجر ووصل {أعلم} بنفسه، قال ولا يجوز أن يكون {أعلم} مضافاً إلى {من} لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، وهذه الآية خبر في ضمنه وعيد للضالين ووعد للمهتدين.

.تفسير الآيات (118- 119):

{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)}
القصد بهذه الآية النهي عما ذبح للنصب وغيرها وعن الميتة وأنواعها، فجاءت العبارة أمراً بما يضاد ما قصد النهي عنه، ولا قصد في الآية إلى ما نسي فيه المؤمن التسمية أو تعمدها بالترك، وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر اسم الله على الشراب والطعام والذبح وكل مطعوم وقوله: {إن كنتم بآياته مؤمنين} أي إن كنتم بأحكامه وأوامره آخذين، فإن الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها، وقوله تعالى: {وما لكم ألا تأكلوا} الآية، {ما} استفهام يتضمن التقرير، وتقدير هذا الكلام أي شيء لكم في أن لا تأكلوا، ف أن في موضع خفض بتقدير حرف الجر، ويصح أن تكون في موضع نصب على أن لا يقدر حرف جر ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله: {ما لكم} تقديره ما يجعلكم {وقد فصل لكم ما حرم} أي قد بين لكم الحرام من الحلال وأزيل عنكم اللبس والشك.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {وقد فُصِّل لكم ما حُرِّم عليكم} على بناء الفعل للمفعول في الفعلين وقرأ نافع وحفص عن عاصم {وقد فَصَّل لكم ما حُرِّم عليكم} على بناء الفعل للفاعل قي الفعلين، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي {وقد فُصِّل} على بناء الفعل إلى المفعول، وقرأ عطية العوفي {وقد فصَل} على بناء الفعل للفاعل وفتح الصاد وتخفيفها، {ما حُرَّم} على بناء الفعل للمفعول، والمعنى قد فصل الحرام من الحلال وانتزعه بالنبيين، و{ما} في قوله: {إلا ما اضطررتم} يريد بها من جميع ما حرم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نصب بالاستثناء والاستثناء منقطع، وقوله تعالى {وإن كثيراً} يريد الكفرة المحادين المجادلين في المطاعم بما ذكرناه من قولهم: تأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما ذبح الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {ليَضلون} بفتح الياء على معنى إسناد الضلال إليهم في هذه السورة وفي يونس {ربنا ليضلوا} [الآية: 88] وفي سورة إبراهيم {أنداداً ليضلوا} [الآية: 30] وفي الحج {ثاني عطفه ليضل} [الآية: 9] وفي لقمان {ليضل عن سبيل الله بغير علم} [الآية: 6] وفي الزمر {أنداداً ليضل} [الزمر: 8].
وقرأ نافع وابن عامر كذلك في هذه وفي يونس وفي الأربعة التي بعد هذه يضمان الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، وهذه أبلغ في ذمهم لأن كل مضل ضال وليس كل ضال مضلاً، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي في المواضع الستة {ليضُلون} بضم الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، ثم بين عز وجل في ضلالهم أنه على أقبح الوجوه وأنه بالهوى لا بالنظر والتأمل، و{بغير علم} معناه في غير نظر فإن لمن يضل بنظر ما بعض عذر لا ينفع في أنه اجتهد، ثم توعدهم تعالى بقوله: {إن ربك أعلم بالمعتدين}.

.تفسير الآية رقم (120):

{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)}
هذا نهي عام من طرفيه لأن {الإثم} يعم الأحكام والنسب اللاحقة للعصاة عن جميع المعاصي، والظاهر والباطن يستوفيان جميع المعاصي، وقد ذهب المتأولون إلى أن الآية من ذلك في مخصص، فقال السدي: ظاهره الزنا الشهير الذي كانت العرب تفعله، وباطنه اتخاذ الأخدان، وقال سعيد بن جبير: الظاهر ما نص الله على تحريمه من النساء بقوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23]، وقوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء: 22]، والباطن الزنا، وقال ابن زيد: الظاهر التعري والباطن الزنا.
قال القاضي أبو محمد: يريد التعري الذي كانت العرب تفعله في طوافها، قال قوم: الظاهر الأعمال والباطن المعتقد.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن لأنه عاد ثم توعد تعالى كسبة الإثم بالمجازاة على ما اكتسبوه من ذلك وتحملوا ثقله، و{الاقتراف} الاكتساب.

.تفسير الآية رقم (121):

{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)}
المقصد بهذه الآية النهي عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين تتركون ما قتل الله، والنهي أيضاً عما ذبح للأنصاب، ومع ذلك فلفظها يعم ما تركت التسمية عليه من ذبح الإسلام، وبهذا العموم تعلق محمد بن سيرين وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن يزيد الخطمي والشعبي وغيرهم فما تركت التسمية عليه نسياناً أو عمداً لم يؤكل، وقالت طائفة عظيمة من أهل العلم: يؤكل ما ذبح ولم يسم عليه نسياناً، ولا يؤكل ما لم يسم عليه عمداً، وهذا قول الجمهور، وحكى الزهراوي عن مالك بن أنيس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمداً أو نسياناً، وعن ربيعة أيضاً قال عبد الوهاب: التسمية سنة فإذا تركها الذابح ناسياً أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه، وإذا تركها عمداً فقال مالك لا تؤكل، فحمل بعض أصحابه قوله لا تؤكل على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة، وقال أشهب: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمداً إلا أن يكون مستخفاً، وقال نحوه الطبري، وذبائح أهل الكتاب عند جمهور العلماء في حكم ما ذكر اسم الله عليه من حيث لهم دين وتشرع، وقال قوم نسخ من هذه الآية ذبائح أهل الكتاب، قاله عكرمة والحسن بن أبي الحسن، والضمير في {إنه} في قوله: {وإنه لفسق} عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل في قوله: {ولا تأكلوا} ويحتمل أن يعود على ترك الذكر الذي يتضمنه قوله: {لم يذكر}، والفسق الخروج عن الطاعة، هذا عرْفه في الشرع، وقوله تعالى: {وإن الشياطين} الآية، قال عكرمة عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس، وذلك أنهم كانوا يوالون قريشاً على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فخاطبوهم منبهين على الحجة التي ذكرناها في أمر الذبح من قولهم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله، فذلك من مخاطبتهم هو الوحي الذي عنى به، والأولياء قريش، والمجادلة هي تلك الحجة، وقال ابن عباس وعبد الله بن كثير: بل {الشياطين} الجن واللفظة على وجهها وكفرة الجن أولياء الكفرة قريش، ووحيهم إليهم كان بالوسوسة حتى ألهموهم لتلك الحجة أو على ألسنة الكهان، وقال أبو زميل: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إن إسحاق يعني المختار زعم أنه أوحي إليه الليلة. فقال ابن عباس صدق، فنفرت فقال ابن عباس: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} ثم نهى الله عز وجل عن طاعتهم بلفظ يتضمن الوعيد وعرض أصعب مثال في أن يشبه المؤمن بمشرك، وحكى الطبري عن ابن عباس قولاً: إن الذين جادلوك بتلك الحجة هم قوم من اليهود.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن اليهود لا تأكل الميتة، أما أن ذلك يتجه منهم على جهة المغالطة كأنهم يحتجون عن العرب.

.تفسير الآيات (122- 123):

{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)}
تقدم في هذه الآية السالفة ذكر قوم مؤمنين أمروا بترك الإثم وباطنه وغير ذلك، وذكر قوم كافرين يضلون بأهوائهم وغير ذلك، فمثل الله عز وجل في الطائفتين بأن شبه الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أحيوا، هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وشبه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات يترددون فيها ولا يمكنهم الخروج منها ليبين عز وجل الفرق بين الطائفتين والبون بين المنزلتين.
وقرأ جمهور الناس {أوَ من} بفتح الواو فهي ألف استفهام دخلت على واو عطف جملة على جملة، و{من} بمعنى الذي، وقرأ طلحة بن مصرف: {أفمن} بالفاء، والمعنى قريب من معنى الواو، والفاء في قوله: {فأحييناه} عاطفة، و{نوراً} أمكن ما يعنى به الإيمان و{يمشي به} يراد به جميع التصرف في الأفعال والأقوال، قال أبو علي: ويحتمل أن يراد النور الذي يؤتاه المؤمنون يوم القيامة، و{في الناس} متعلق ب {يمشي}، ويصح أن يتعلق ب {كان ميتاً} وقوله تعالى: {كمن مثله} بمنزلة كمن هو، والكاف في قوله: {كذلك زين} متعلقة بمحذوف يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره وكما أحيينا المؤمنين وجعلنا لهم نوراً كذلك زين للكافرين، ويحتمل أن يتعلق بقوله: {كمن مثله} أي كهذه الحال هو التزيين، وقرأ نافع وحده {ميِّتاً} بكسر الياء وشدها، وقرأ الباقون {ميْتاً} بسكون الياء، قال أبو علي: التخفيف كالتشديد، والياء المحذوفة هي الثانية المنقلبة عن واو أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب، وقالت طائفة إن هذه الألفاظ التي مثل بها وإن كانت تعم كل مؤمن وكل كافر فإنما نزلت في مخصوصين، فقال الضحاك: المؤمن الذي كان ميتاً فأحيي عمر بن الخطاب، وحكى المهدوي عن بعضهم أنه حمزة بن عبد المطلب، وقال عكرمة: عمار بن ياسر، وقال الزجاج: جاء في التفسير أنه يعني به النبي عليه السلام.
قال القاضي أبو محمد: واتفقوا على أن الذي في الظلمات أبو جهل بن هشام، إلى حاله وحال أمثاله هي الإشارة والتشبيه بقوله: {وكذلك جعلنا في كل قرية} وهذه الآية تتضمن إنذاراً بفساد حال الكفرة المتقدم ذكرهم، لأنه مقتضى حال من تقدمهم من نظرائهم، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في المستهزئين.
قال القاضي أبو محمد: يعني أن التمثيل لهم، و{جعلنا} في هذه الآية بمعنى صيرنا، فهي تتعدى إلى مفعولين الأول {مجرميها} والثاني {أكابر} وفي الكلام على هذا تقديم وتأخير تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، وقدم الأهم إذ لعلة كبرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعول الأول {أكابر} و{مجرميها} مضاف والمفعول الثاني في قوله: {في كل قرية} و{ليمكروا} نصب بلام الصيرورة، والأكابر جمع أكبر كما الأفاضل جمع أفضل، ويقال أكابرة كما يقال أحمر وأحامرة، ومنهم قول الشاعر [الأعشى]: [الكامل]
إنَّ الأَحَامِرَة الثّلاثة أتْلَفَتْ ** مالي وكنتُ بهنَّ قَِدْماً مُولَعا

يريد الخمر واللحم والزعفران، والمكر التخيل بالباطل والخديعة ونحوهما، وقوله: {وما يمكرون إلا بأنفسهم} يريد لرجوع وبال ذلك عليهم، {وما يشعرون} أي ما يعلمون، وهي لفظة مأخوذة من الشعار وهو الشيء الذي يلي البدن، فكأن الذي لا يشعر نفي عنه أن يعلم علم حس، وفي ذلك مبالغة في صفة جهله، إذ البهائم تعلم علوم الحس وأما هذه الآية فإنما نفي فيها الشعور في نازلة مخصوصة.